ساسي سالم الحاج

112

نقد الخطاب الاستشراقي

ونعود من جديد إلى « مونتجمري وات » لنرى موقفه من الوحي الإلهي المنزل على النبي فنراه يشهد له - للنبي - بعزيمته القوية التي تحمّلت الاضطهاد من أجل نشر عقيدته ، وبالخلق السامي الرفيع للرجال الذين آمنوا به ، وعظمته المتجلية في منجزاته الأخيرة ، واستقامته التي لا شبهة فيها ، كل ذلك يؤدّي إلى طرح صفة « الدجل » عنه . ومع ذلك يرى « وات » أنه ليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حطّ من قدرها في الغرب كمحمد . فالكتّاب الغربيون أظهروا ميلهم لتصديق أسوإ الأمور عنه ، ومن هنا طرحه لنظريات هؤلاء الكتّاب الذين افترضوا كذبه . وتأكيده الجازم أن الرسول كان « صادقا » فيما قام به ودعا إليه ، ولكنّه بعد هذه النتيجة الإيجابية يرى ضرورة تمييز القرآن الذي آتى به الرسول عن وعيه السويّ لأن التمييز كان شيئا أساسيا بالنسبة إليه . فقد ميّز الرسول بعناية كما كان يعتقد بين ما ينزّل عليه من مصدر خارق وبين ما يصدر عن أفكاره الخاصة ، وهو أمر أكّدته الحوادث التاريخية . ويقول « وات » : إننا لا نتخيله يدخل آيات من تأليفه بين الآيات التي تنزل عليه من مصدر مستقل عن معرفته « كما كان يعتقد » « 1 » . ثم يعرض « وات » نظرية المسلمين السّنيين القائلة بمصدر القرآن الإلهي باعتباره كلام اللّه ، ثم يلخص رأي الكتّاب الغربيين القائل : إن القرآن هو من صنع شخصية محمد غير الواعية ، ثم أورد رأيا ثالثا مفاده أن القرآن من صنع النشاط الإلهي الذي يظهر من خلال شخصية محمد ، وبهذا يجب نسبة بعض صفات القرآن إلى طبيعة محمد الإنسانية ، وهذا على ما يبدو ، موقف المسيحيين الذين يعترفون بقسم من الحقيقية الإلهية في الإسلام ، وإن كانت هذه الحقيقة لم تتمكن فيه تماما « 2 » . وعندما عرض « وات » هذه النظريات الثلاث حول مصدر الوحي الإلهي المنزّل على النبي وقف على الحياد حولها ولم يحاول تحليلها ونقدها وتغليب إحداها على الأخرى واكتفى بالقول : إنها تتضمن مشاكل خارجة على ميدان المؤرّخ . وحاول أن يتفادى الغوص في هذه القضية العويصة وذلك بعدم نسبة الآيات التي يستشهد بها إلى اللّه تعالى ولا إلى النبي ولكنه يعبّر عنها بقوله : « القرآن يقول » . وإذا كان « مونتجمري وات » قد وقف محايدا إزاء هذه النظريات الثلاث التي

--> ( 1 ) أ - مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 95 . ب - Watt , Mahomet , p . 17 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 96 .